أحلام الصوفي
لا تُقاس الثورات بعمرها الزمني، بل بقدرتها على البقاء في وجدان الشعوب. فهناك ثورات تنتهي بانتهاء معاركها، وأخرى تتحول إلى مدرسةٍ تصنع الوعي وتمنح الأجيال القدرة على مواجهة الظلم. ومن هذا النوع كانت ثورة الإمام زيد بن علي، الذي خرج مدافعًا عن الحق، عالمًا بأن طريق الحرية محفوف بالتضحيات، وأن الشهادة قد تكون ثمنًا للموقف الصادق.
لم يكن الإمام زيد قائدًا لتمردٍ عابر، ولا صاحب مشروعٍ شخصي يسعى إلى سلطة أو نفوذ، بل كان حاملًا لقضيةٍ آمن بها حتى آخر لحظة من حياته. رأى أن السكوت على الظلم خيانةٌ للرسالة، وأن مسؤولية العالم والحر لا تقف عند حدود الوعظ، بل تمتد إلى صناعة الموقف عندما تُنتهك القيم ويُستباح الحق.
وحين ارتقى الإمام زيد شهيدًا، ظن خصومه أنهم أسكتوا صوته، لكنهم لم يدركوا أن الدم الصادق يملك قدرةً على صناعة التاريخ أكثر مما تملكه السيوف. فمنذ ذلك اليوم، تحولت ثورته إلى رمزٍ خالد، وإلى منارةٍ استلهمت منها أجيالٌ متعاقبة معاني الكرامة والإباء والثبات.
وفي اليمن، لم تبقَ ثورة الإمام زيد حبيسة كتب التاريخ، بل أصبحت جزءًا من الهوية الثقافية والدينية والوطنية، وحاضرةً في الوجدان الشعبي بوصفها نموذجًا للثائر الذي قدّم المبدأ على المصلحة، والحق على السلامة. ولهذا ظل اسمه يتردد في المحطات الكبرى التي واجه فيها اليمنيون مختلف التحديات، باعتباره رمزًا للصمود ورفض الخضوع.
واليوم، تتجسد هذه العلاقة بين الماضي والحاضر في الحشود الجماهيرية الواسعة التي تُحيي ذكرى استشهاده في مختلف الساحات اليمنية. فهذه الذكرى، بالنسبة للمشاركين، ليست مجرد استعادة لحدثٍ تاريخي، بل تجديدٌ للعهد مع القيم التي خرج الإمام زيد من أجلها، وتأكيدٌ على أن رسالة الحق لا تزال حية في ضمير الشعب.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات التي تنطلق من المبادئ لا تنتهي باستشهاد قادتها، بل تبدأ من تلك اللحظة مرحلةً جديدة من الامتداد والتأثير. وهذا ما حدث مع الإمام زيد، الذي تجاوزت ثورته حدود زمانها ومكانها، لتصبح مصدر إلهام لكل الأحرار الذين يؤمنون بأن الكرامة لا تُنال إلا بالموقف، وأن مقاومة الظلم مسؤولية لا تسقط بتغير الأزمنة.
إن استحضار سيرة الإمام زيد اليوم ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو قراءةٌ للحاضر بعين التاريخ. فالأمم التي تحفظ رموزها وتستلهم من تضحياتهم قيم الصمود، تملك القدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها بثقة. ولذلك بقي الإمام زيد حاضرًا في الوجدان اليمني، لا كشخصيةٍ تاريخية فحسب، بل كنهجٍ متجدد يؤكد أن الحق لا يموت، وأن الشهداء يرحلون بأجسادهم، لكن مبادئهم تظل تصنع الرجال وتحرك الشعوب.
وهكذا، تمتد ثورة الإمام زيد من ساحات الكوفة التي ارتقى فيها شهيدًا إلى ساحات اليمن التي تستحضر ذكراه، لتؤكد أن الرسالات العظيمة لا تحدها الجغرافيا ولا يطويها الزمن، وأن الثورة التي قامت من أجل الحق تظل قادرةً على إلهام الأجيال، وصناعة الوعي، وترسيخ معاني العزة والحرية والكرامة في نفوس المؤمنين بها.
#ملتقى -الكاتبات-الثائرات